حسن بن محمد القمي النيسابوري ( نظام الأعرج )
323
تفسير غرائب القرآن ورغائب الفرقان
إِحْساناً وإما قبل قُولُوا وإنما جعل الإحسان إلى الوالدين تاليا لعبادة اللّه لوجوه منها : أنهما سبب وجود الولد كما أنهما سبب التربية ، وغير الوالدين قد يكون سبب التربية فقط فلا إنعام بعد إنعام اللّه تعالى أعظم من إنعام الوالدين . ومنها أن إنعامهما يشبه إنعام اللّه تعالى من حيث إنهما لا يطلبان بذلك ثناء ولا ثوابا إِنَّما نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزاءً وَلا شُكُوراً [ الإنسان : 9 ] . ومنها أنه تعالى لا يمل من إنعامه على العبد وإن أتى بأعظم الجرائم ، فكذا الوالدان لا يقطعان عنه مواد كرمهما وإن كان غير بار بهما ، ومنها أن الوالد المشفق يتصرف في مال ولده بالاسترباح والغبطة ، واللّه سبحانه يأخذ الحبة فيربيها مثل جبل أحد . ومنها أن المناسبة والميل والمحبة بين الوالد وولده ذاتية حتى عمت جميع الحيوان ، كما أن المناسبة بين الواجب والممكن ذاتية لا عرضية ، وهاهنا أسرار فليتأمل . ومنها أنه لا كمال يمكن للولد إلا ويطلبه الوالد لأجله ويريده عليه ، كما أن اللّه تعالى لا خير يمكن للعبد إلا وهو يريده عليه ، ولهذا أرسل الرسل وأنزل الكتب ونصب الأدلة وأزاح العلة ، ومن غاية شفقة الوالدين أنهما لا يحسدان ولدهما إذا كان خيرا منهما بل يتمنيان ذلك بخلاف غيرهما فإنه لا يرضى أن يكون غيره خيرا منه . وتعظيم الوالدين أمر معتبر في جميع الشرائع ومركوز في كل العقول ، وقد ورد « أطع الوالدين وإن كانا كافرين » وعن النبي صلى اللّه عليه وسلم أنه نهى حنظلة بن أبي عامر الراهب عن قتل أبيه وكان مشركا ، ولهذا أطلق الإحسان إليهما في الآية إطلاقا . وقد تلطف إبراهيم عليه السلام في دعوة أبيه من الكفر إلى الإيمان في قوله يا أَبَتِ ، يا أَبَتِ والإحسان إليهما أن يحبهما من صميم القلب ويراعي دقائق الأدب والخدمة والشفقة ويبذل وسعه في رضاهما قولا وفعلا ، ولا يمنع أعز أوقاته وكرائم أمواله عنهما ، ويجتهد في تنفيذ وصاياهما ويذكرهما في صالح دعائه كما أرشد اللّه تعالى إلى جميع ما ذكرنا في قوله فَلا تَقُلْ لَهُما أُفٍّ [ الإسراء : 23 ] إلى آخر الآية . التكليف الثالث : الإحسان إلى ذوي القرابة ويعبر عنه بصلة الرحم عن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم « الرحم شجنة من الرحمن قال اللّه : من وصلك وصلته ومن قطعك قطعته » والشجنة الاشتباك أي الرحم مشتقة من الرحمن يعني أنها قرابة من اللّه مشتبكة كاشتباك العروق والسبب العقلي في تأكيد رعاية هذا الحق أن القرابة مظنة الاتحاد والألفة والرعاية والنصرة ، ولهذا صار كالتابع لحق الوالدين لأن الإنسان إنما يتصل به أقرباؤه بواسطة اتصالهم بالوالدين . قال الشافعي : لو أوصى لأقارب زيد دخل فيه الوارث وغير الوارث ، والمحرم وغير المحرم ، والمسلم والكافر ، والذكر والأنثى ، والغني والفقير ، والأجداد والأحفاد ، لا الأبوان والولد